تاريخ و اهداف المؤسسة

قضية تشييد مؤسسة خاصة من اجل البحث و التحقيق و استخراج العلوم و الفنون و حاجات الانسان المختلفة من مصادر الحديث و الروايات، كانت الهاجس الذي يشغلنا عامي 1353 و 1354، في تلك الحقية المظلمة بجور النظام الملكي، كانت لي جلسات اسبوعية مع شهيد فكرة وحدة الحوزة العلمية و المجامعات، الاستاذ الكبير آية الله مفتح، حيث كانت تتمحور حول الحكومة الاسلامية

و كذلك كانت لي جلسات مع المحقق المجدّ و العالم الفريد جناب آية الله سبحاني من اجل التمرّن علي فن البحث و الكتابة و التحقيق، لذلك توجّب علينا التعّرف الي المصادر الروائية و الخوض في بحر علوم روايات الشيعة و علي رأسها نهج البلاغة، لذلك فانه بعد فترة و جيزة ادركنا المشاكل الاساسية التي تعترض طريق التحقيق في كتب الحديث .

فانّ مصادر الامامية لم تكن تحتوي علي فهارس مفصّلة او معاجم لائقة و الاستفادة من محتوياتها كان يمثل مشكلة تعترض طريق الباحثين و المحققين، علي الرغم من أن العالم الشهيد حجة الاسلام مصطفويي كرماني (ره) استطاع أن يخطو الخطوة الاولي في هذا المجال.

في تلك الايام التي كنّا تناقش فيها اوضاع ابتاع اهل بيت (ع) الداخلية المؤلمة و قلة مراكز و مصادر التحقيق، أذعنّا و الألم يعصرنا بالحقيقة الملموسة بأن شيعة اميرالمؤمنين (ع) مظلومون كما كان هو عليه السلام مظلوماً .

و كذلك فانّ نهج البلاغة بقي مظلوماً علي مرّ العصور، فعندما قرأت في أحد الكتب بأن العالم المسيحي جورج جرادق قرأ نهج البلاغة 200 مرّة، اعتراني الغضب و الفخر و التعصّب الديني في آن واحد، و قلت في نفسي ماذا فعلنا نحن؟ ما هو مدي معرفة جيلنا المثقّف بهذا الكتاب؟

بلطف الهي و مساعدة الاخ الجليل حجة الاسلام محمد كاظم محمدي بدأنا بكتابة ( المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة ) الذي دام ما يقارب السبع سنوات مع انعدام الوسائل التحقيقة اللازمةو الاستفادة من الخدمات البسيطة التي كانت متاحة لنا آنذاك

و في أثنا كتابة هذا المعجم و بعد المراجعات المتوالية و الهادفة لنهج البلاغه، ادركنا حينها عظيمة هذا المحيط الهائل الذي نحن لا نزال رابضين علي ساحله! و ادركنا مدي عمق وسعة علوم و معارف هذا الكتاب العظيم! لذلك قررناتناول المصادر الروائية باسلوب معاصر و حديث.

من البديهي ان الدين الاسلامي، وبالذات المدرسة الشيعيه، زاخر بالمصادر التحقيقه التي لا يضاهيها اي دين او مدرسة اخري، حيث انه في نصوص القرآن الكريم و احاديث اهل البيت(ع) قد تمّ تأمين جميع متطلّبات و حاجات البشر، و لفترة ثلاث قرون( منذ وفاة النبي(ص) حتي زمان الغيبة الكبري سنة 329 هـ ) حيث تمّ توضيح و تفسير الاصول العامّة للدين الاسلامي و الفقه الاسلامي و آيات القرآن الكريم بواسطة اثني عشر امام عالم بالغيب و مطّلع علي الوحي بشكل مفصّل تناقلته الأجيال علي شكل عشرات الآلاف من الاحاديث و الروايات، و كان من ابرزها كتاب نهج البلاغة

عصرنا الحاضر هوعصر الوسائل الحديثة، عصر ابداع وسائل و اساليب مدهشة في البحث العلمي و التحقيق، فبعد ايجاد وسائل واساليب متطورة و انتشار جهاز الحاسوب، حدثت تغييرات جذرية تفوق التصّور في الكثير من العلوم و الفنون البشرية و كذلك في طريقة دراسته و تقسيم و درك المفاهيم السامية التي تكمن في تأليفات المفكرين، فهذه الامور أدّت الي انقلاب و تحوّل فكري و عملي في طرق و كيفيّة التحقيق حيث ترتّب علي هذا التحوّل انّ الجيل الجديد المتعطّش للحقيقة اصبحت له مطالبات ملحّة جديدة .

بالنظر للتقيّدالموجود في الحياة و التعقيدات و المشاكل الاجتماعيه بعد عصر النهضة الصناعية، اصبحنا بجاجة الي وسائل و اساليب و قابليات متطوّرة في مجال التحقيق، لذلك فأنه يتوجّب علينا أن نفكّر بآراء مبتدعة في كيفية المطالعة و ادارك المواضيع الهامّة .

من اهمّ عواملتطّور البلدان العظمي هو اعادة النظر بشكل جدّي في استخدام وسائل و اساليب التحقيق التي تنعش الحياة البشرية باحدث و اكمل الطرق لاحياء مراكز التحقيق . من المعلوم ان البلدان ان المتطوّرة لا تمتلك المصادر الفنيّه و التراث الثقافي و العمي و الأدبي الموجود في العالم الثالث و خصوصاً علوم الحوزات العلمية الشيعيّة، و علي الرغم من الدسائس التي قامت بها تلك البلدان كالتشجيع علي هجرة العلماء و القيمومة علي التراث الثقافي و مصادرته ، فانها لم تستطع أن تبلغ الي الدرجة التي وصل اليها التراث الثقافي لبلداننا، لذلك قامت بتحديث اساليب و وسائل التحقيق و استثمرت الثروات الموجوده لديها بشكل صحيح و مناسب في مراكز التحقيق، فكانت النتيجة انهم تالوا الثمرة اليانعه و ارتقوا سلّم الرقي الثقافي و التطور الحضاري .

لو نظرنا نظرةواقعية لما يدور حولنا، لتوجّب علينا ان نعترف ببعض الحقائق المّرة التي من جملتها!

الف: ان البلدانالمتطوره باستثمارات بسيطه و لكن باستخدام وسائل و اساليب حديثه في طريق التحقيق، استطاعت الرقي و النجاح في هذا المجال، و لكننا و علي الرغم من امتلاكنا مصادر ثرية لا زلنانفكر في توفير مستلزماتنا الضروية .

ب: هذه البلداناستطاعت الوصول لأهدافها المرجوّه باستثشمارات بسيطة، و لكننا نحن الذين نتوسّد علي ذخائر عظيمة و أصيلة لجميع العلوم، لازلنا بعيدين كل العبد عن اهدفنا.

ج: استطاعت هذهالبلدان الغوص في عمق. بحار العلوم الراقيه و ذلك بتحديث وسائل التحقيق و برمجة المكتبات و المراكز التحقيقية بالحاسوب، و لازلنا نحن نقف صامتين علي ساحل محيط فيّاض من علوم و معارف القرآن الكريم و تراث اهل البيت (ع) و لا ندري ما علينا أن نفعل!

د: هم بلغوا الذروةفي علومهم و وصلوا الي المستوي الذين يقومون فيه بالتخطيط لاختطاف عباقرة و مفكري سائر الامم و مصادرة ثرواتهم، فقد بدأو يشعرون بمحدودية معارفهم، لذلك فانهم اليوم يفكرون في خطط و مشاريع تحقيقية طويلة الامد، و لكننا لازلنا عاجزين عن اكتشاف و استثمار ثرواتنا الثقافيه، و لحدّ الآن لم نستطع ان نبلغ بعضاً من غاياتنا.

هـ : المحققونالذين لايحصي عددهم في البلدان المتطوّرة، يبحثون عن مواضيع جديدة لكي يحققوا فيها و يقيّموها، و يقولون: في أي موضوع مفيد علينا ان نحقق؟. . . . هذا يعني المحقق هناك يبحث عن موضوع جديد حتي يحقق فيه، و هنا في مجتمعاتنا المواضيع الغزيزة و المفاهيم العميقة تنتظر حائرة من يعطف عليها و يقناولها!

و: في تلك البلدانالمتطوّرة يقول الباحثون ماذا لدينا؟ و ماذا لديهم؟ و ما هو الشييء الذي يحبب عليناان نمتلكه؟

و نحن في بلدننانقول: ماذا علينا ان نفعل؟ و كيف نحصل علي ما نريد؟



الطريق المترحة لحل هذه المشاكل

بعد الترقيق بالعوائق و المشاكل المذكورةو عدم التنسيق، نقول:

علينا ان نفكربأساليب و طرق التحقيق الجديدة، و ان نستخدم احدث الوسائل التحقيقية .
علينا ان نجهّز مراكزنا التحقيقية بافضفل و احدث الوسائل
علينا ان نضع طرقاً رابطة بين الجيل المعاصر و مصادرناالروائية الثمينة التي لا يضاهيها شيء، حتي يتسّني لكل شخص و بمختلف المستويات ان يستفيضمن المصادر الاسلامية الثروية.
علينا ان نضع فهارس متكاملة و لائقة بما لدينا من مصادرعلمية، فلسفية، تفسيرية، روائية، تأريخية وادبية و ان لا ننسي الصعوة الجديدة في تأليفالمعاجم و القواميس في شتي المجالات .
علينا أن نسعي و ان نوظّف جميع قابلياتنا لجعل مصادرنا الاسلامية فيبرنامج الحاسوب و كذلك علينا أن نعدُّ ترتيباً متسلسلاً لهذه المصادر و في اسرع وقت.
علينا ان نهيّأ الارضية اللازمة للمطالعة و الاستفادهةمن العلوم المختلفة لكافة طبقات و مستويات المجتمع لكي يستطيع كل محقق و قاري من الوصولالي مراده و ان يروي ظمأه.
علينا أن نستنفر جميع طاقاتنا العليمة من مراكز تحقيقيهو غيرها لاءعداد و تعليم المحققين الجدد في مختلف العلوم الاسلامية تزامناً مع تطوير وسائل و اساليب التحقيق لكي يبقي محققونا و باحثونا دائماً و باستمرار ساعين للبحث عن مواضيع و مفاهيم غنية بالمعرفة، علي امل ان ينجح باحثونا المجدّون في السمتقبل القريب في تحقيق و تدقيق جميع المصادر الروائية التي تتناسب مع حاجات الانسان المعاصر.
علينا ان تدوّنمعاجم مفهرسة لجيمع المصادر الدوائية.
علينا ان تدوّن فهارس تفصيلية لجيمع مصادر الحديث.
يجب ان تدرّس علوم نهج البلاغه و باقي الكتب الروائيةبشكل منطقي و مرتّب في الجامعات و المراكز الثقافية.
يجب ان يختار طالب الماجستير مواضيع رسائلهم من نهج البلاغهو من الكتب الراوئية.
يجب كتابة قواميس مبوّبة لجميع مصادر الحديث.
يجب استخراج الدلالة و السند الكامل لكل رواية.
يجب تدوين دليلاً مفصلاً لطريقة التحقيق و تحديد المصادرالروائية لكل اصناف المجمتع حتي يكون في متناول الجميع.
يجب كتابة ترجمة صحيحة و متناسبة مع متطلبات الجيل المعاصرلكافة النصوص الاسلامية.
يجب تقسيم مواضيع نهج البلاغه و تصنيفها بشكل يتناسب مع مختلف متسويات المجتمع و جعلها علي شكل كراسات و مقالات يتسنّي للجميع ان ينهل منها كل حسب متسواه.
يجب اقامة مسابقات شاملة لمصادر الحديث.

فبهذه الآراء و الآمال بدأنا العمل، و بعد سنوات مديدة من البحث و التحقيق، و خصوصاً بعد انتصار الثورة الاسلامية، تعرّفنا علي مؤسسة نهج البلاغه الرائعة التي تعتبر فكرة و تنظيم الشهيد مطهّري. بدأت العمل مع جناب حجة الاسلام دين برور و اصبحت مسؤولية، ادارة قسم التحقيق في مؤسسة نهج البلاغه علي عاتقي لما يقارب ست سنوات.

في هذه السنوات الجملية، استطعت و بالتعاون مع الادارة التربوية في وزارة التربية و التعليم « فرع القرآن الكريم و نهج البلاغة» تنظيم مسابقات تحت عنوان «الابعون حديثاً» لطلاب المدارس المتوسطه والاعدادية في كافة أرجاء البلاد ( و لمدة 10 سنوات تقريباً)، و في كل عام كنت أهيّاً الكراسات اللازمة لهذا الغرض و لتحقيق الاهداف المرجوّة ، تمكنّت، سنة 1367 من تأسيس «مؤسسة امير المؤمنين الثقافية للتحقيق» و ابلغت سماحة ولي امر المسلمين السيد علي الخامنئي عند لقائي به بالاهداف و الافكار التي تراودني علي المديين البعيد و القريب و التي كانت وراء تأسيس هذه المؤسسة ، فما كان من سماحته اءلّا أن قابل حضورنا بالمحبة الابوية، و التأييد، و تفضّل قائلاً
(يجب استمرار و حفظ استقلال هذه المؤسسة)

و يمكن القول في جملة واحدة : ان هدف هذه المؤسسة هو ايجاد جسر رابط بين الجيل المعاصر و مصادر الحديث ، و كانت بدايتنا في نهج البلاغة.